Uncategorized

نحو اصطفاف تاريخي جديد – سودان تربيون

بقلم : محمد عتيق

انقسم المجتمع بين مؤيد ومعارض لقرار الحكومة بتوحيد سعر الصرف (بمعنى تعويم قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية) .. المقصود بالمؤيدين والمعارضين هنا أنهم جميعهم من أبناء الثورة ومناصريها الذين لا يبتغون إلا وجه الشعب والوطن بتأييد القرار أو معارضته ، أي أن ذوي المصالح الخاصة الضيقة من المؤيدين أو فلول النظام الساقط وبقاياه من المعارضين ، أنهم غير معنيين هنا .. بهذا التحديد والمعنى نتحدث عن الوطنيين من أبناء الثورة وأنصارها من المؤيدين والمعارضين للقرار ، مستهدفين تعبيد الطريق بين الطرفين رغم وعورته ..

النتيجة الإيجابية البارزة لقرار التعويم جاءت مباشرةً من السودانيين العاملين في الخارج عندما تدافعوا للتحويل عبر المصارف طالما تساوت الأسعار عندها مع الأسعار الموازية (السوق الأسود) ، واستجابةً لنداء الوطن من ناحية أخرى .. فإذا افترضنا أن المغتربين والمهاجرين لم يتوقفوا عند حدود التحويلات المنتظمة لذويهم وعائلاتهم بل أخذوا في تحويل مدخراتهم أيضاً إلى المصارف في جـمهورية السودان، إذا افترضنا ذلك ، ما هي النتيجة ؟ هل سيكون لذلك أثر إيجابي على حياة الشعب انخفاضاً في الأسعار وتكاليف المعاش ؟ وإذا إلتزم كل السودانيين العاملين في الخارج بتحويل مصروفات ذويهم إضافةً لمدخراتهم إلى جـمهورية السودان عبر حساباتهم في المصارف المختلفة وانتظموا في ذلك بواقع ١٠ مليار دولار أمريكي مثلاً ؛ هل يكفي ذلك وحده لتأسيس اقتصاد عصري يعكس إمكانيات جـمهورية السودان المتنوعة فينهض به دولةً قويةً محترمة وسط الأمم ومنحازةً للشعب في تعليمه وعلاجه وكافة خدماته (وهي الأهداف الرئيسية للثورة) ؟ ، هل امكانيات السودانيين العاملين في الخارج مجتمعين كافية لوحدها لتصحيح الأوضاع الاقتصادية للبلاد ؟؟

هذه المبالغ (١٠ مليار في أحسن الفروض) هي الفوائد التي ستعود على البلاد بتعويم قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية ولا فائدة غيرها ، في إحدى كفتي الميزان ، وفي الكفة الأخرى ستستمر حياة الشعب قطعةً من المستحيل أمام أسعار الضروريات الأساسية .. فسلعة الدولار ، وهي السلعة التي تحدد قيمة كل السلع الأخرى حتى المنتج المحلي منها كاللبن والجرجير والطماطم ، سيكون سعرها في حدود ال ٣٨٠ جنيه سوداني ، لأن تحرير سعر الصرف للدولار (التعويم) لن يكون له أثر آخر سوى جذب تحويلات المغتربين و “مدخراتهم” التي لن تتجاوز تلك المليارات العشرة في أحسن الأحوال ، بمعنى ١٠ مليار دولار في أرصدة بنك جـمهورية السودان والمصارف الأخرى وبضعة جنيهات سودانية عند ذوي هؤلاء المغتربين وعائلاتهم ، بينما سيستمر نزيف الإمكانات والثروات السودانية ، تنهبها قوى إقليمية ودولية مع الفئات الرأسمالية والطفيلية المحلية المتحالفة معها ، لتبقى الدولة في عسرها مغلولةً تقتات من عوائد الإيجارات والضرائب المباشرة وغير المباشرة المفروضة على رعاياها !!. وستظل الاثنين والثمانين في المائة من المؤسسات الاقتصادية والمالية خارج ولاية الحكومة كما قال رئيسها الدكتور حمدوك !!.. فمن أين جاء قرار توحيد سعر الصرف (تعويم العملة)؟؟

هذا سؤال منطقي يستمد مشروعيته من أن الحكومة ، وفقاً للتجربة مع نسختيها السابقة واللاحقة ، لا حول لها ولا قوة ؛ تصدر القرارات باسمها وهي تبصم بأنها صادرة عنها في الاقتصاد والسلام والعلاقات الخارجية ، ففي قضية الاعتراف بالكيان الاسرائيلي وتطبيع العلاقات معها على سبيل المثال ذهب البرهان سراً لضربة البداية في يوغندا ، وذهب وزير العدل في أوكار المقار الأمريكية للتوقيع على اتفاق التطبيع زائغ العينين والحكومة غائبة -ككيان- في كل الأحوال ، حتى الذين رفضوا الأمر ونفوا علمهم به من الوزراء لم نسمع أن أحدهم استقال احتجاجاً ليصارح الشعب بالحقيقة .. ومن ناحية أخرى ، إذا ألقينا نظرةً على النسخة الثانية/الحالية من الحكومة سنجد أن أغلب عناصرها لم تأت بهم كفاءة علمية أو نضالية وإنما فقط باب التقاسم الحزبي للمناصب والنفوذ فالمجاملات والترضيات ، ومع زوايا أخرى في النظر ، سنجد أن القرارات تصدر والحكومة تبصم وتتبنى كما سابقتها ، وهذا ما حدث لقرار تعويم الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية ( اسم الدلع والتبرير : توحيد سعر الصرف ) ، توحيد سعره من ٥٥ جنيه مع سعر السوق الموازي/الأسود ٣٧٥ جنيه وملاحقته ، فيجد المغترب صادقاً أن الأفضل له ولوطنه أن ينجز تحويلاته عبر المصارف ، فتبدو الحكومة وكأنها قد أشعلت ملحمةً وطنيةً تسكت الأصوات التي تطالب بتأسيس شركات المساهمة العامة للقطن والصمغ العربي والحبوب الزيتية والمنتجات الحيوانية والهيمنة على الثروات المعدنية وتأسيس بورصة لها ، ووضع يد الحكومة على كل النشاطات الاقتصادية في الدولة ، كل ذلك كطريق وطني وحيد يعمل على دعم قوة العملة السودانية وخفض الأجنبية أمامها فتكون لسياسة توحيد الصرف معنىً وقيمةً للوطن وكل الشعب ..

القوى “الخفية” التي تقرر للثورة مسارها وحتى حكومتها الانتقالية هي العقبة وهي التي ستعمل على أن يأتي المجلس التشريعي مسخاً آخر ، مثل المجالس القائمة ، لا يعبر إلا عن الحاضنة الجديدة (مجلس الشركاء) بجانب القديمة العرجاء ، الفاقدة الشرعية (المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير ) .. ومعلوم أن المجلس التشريعي هو صمام الأمان (قبل الأخير) في استئناف الثورة لمسيرها الصاعد نحو ذرى الحرية والسلام والعدالة .. ولما كان صمام الأمان الأخير هو القوى السياسية المعارضة لهذا النهج ومعها لجان المقاومة وجموع الشعب فإن الصراع سيحتدم حول المجلس التشريعي (صمام الأمان قبل الأخير) في اللحظة الراهنة ، هو السلاح الأخير الذي به تتوطد نفوذ الحلف الحاكم (شركاء ، مركزي ، جنجويد ، ولجنة أمنية) فتتعطل الثورة لفترة ما ، أو به تستطيع القوى الرافضة (السياسية ولجان المقاومة) أن تنتزع مقاليد المبادرة وتمضي بالثورة الشعبية إلى الأمام وهذا يستدعي قيام حلف متين وجريء ينتزع مفاتيح المجلس التشريعي اعلاناً له واختياراً لأعضائه وفق ما ورد في الوثيقة الدستورية ودعوةً لكافة الحركات المسلحة (بما فيها حركتي عبدالواحد والحلو) أن تملأ مقاعدها بمن تختار ، ويكون على المجلس بعد ذلك مراجعة كل قرارات مجلسي السيادة والوزراء ، نصوص الوثيقة الدستورية ، إعادة تأسيس الأجهزة العدلية ، إعادة تأسيس كافة الأجهزة النظامية والأمنية مع الدمج والتسريح للمليشيات والحركات المسلحة..الخ …

فهل سنشهد اصطفافاً جديداً بهذا المعنى ؟؟




Source link

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى